(آفة الكرسي … و… آيات التوريث )
د / محمود الحوت
1
عندما يسعى الإنسان للحصول على كرسي, فانه يدفع فيه بضع عشرات أو مئات من الجنيهات تبعا لفخامة الكرسي ومبلغا آخر لصيانتة والحفاظ على متانته وتماسكه.
- وان كان الكرسي لوظيفة ما فانه يسعى لتحقيق اشتراطاتها من شهادة علمية وخبرة مهنية أو يلجأ للطرق الخلفية من رشا ومحسوبية ووساطة ذلك للحصول على الكرسي أو للاستمرار عليه.
- وان كان الكرسي مقعدا سياسيا - وزارة أو مؤسسة أو مجالس نيابية ؛فيتطلب الحصول عليه أو الاحتفاظ به , سمعة طيبة وعملا نشطا وأداء حسنا ايجابيا مع المجتمع , والحصول على ثقة الناس أو ثقة من يملك الاختيار.
فان كانت الوسائل الشريفة وعرة وشاقة , أو كان راغب الكرسي أو حائزة من المؤمنين بأن الغاية تبرر الوسيلة أيا ما كانت الوسيلة لتحقيق غايته من كسب لمقعد وللتمسك به,فقد يبيح لنفسه كذب الحديث والوعود - دفع الرشاوى- شراء الذمم والأصوات - التزلف والنفاق لمن بيده عونه ؛ والتخلص من المبادئ ومن دعاتها .حتى يظفر بكرسي أو يستمر عليه .
أما وان كان الكرسي قيادة أمة وسياسة شعب ,ومسؤولية أولى عن ملايين البشر فالحديث ربما ينحو نحوا آخر .
2
فلنتجاوز عن ثمن الحصول على الكرسي ,لنطرح تساؤلا عن( أي ثمن يمكن لشخص أن يدفعه , والمدى الذي يصل إليه , كي يستمر على الكرسي أو يجلس وريثه عليه ؟).
فعلي خريطة وطننا نرى أنظمة جمهورية المظهر ولكن السعي للتوريث سواء بدا للعين ,أو لم يبدو هو جزء من عملية سياسية تخوضها تلك الأنظمة لتأصيل الحكم الوراثي .
فهناك تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والنظام الصدامي السابق في العراق .
فمنذ نجاح نظام حافظ الأسد بسوريا في تمرير التوريث،وشهية باقي الأنظمة قد انتعشت وازداد الأمل لديها بتكرار النموذج السوري وبدت أمامهم ((خريطة طريق)) ذات معالم واضحة ,وصار الهم الأكبر ,والهدف الأعظم لكثير من تلك الأنظمة , بل ومشروعها الحضاري الوحيد هو تمرير (عمليات التوريث ),تشحذ لها الهمم ؛وتجند لها الإمكانات وتغدق الأموال والمناصب علي جيوش الشغيلة ,لرص( أحجار التوريث) , حجرًا حجرًا ! ؛ وتوضع السياسات وتتخذ القرارات وتجري التنازلات وتستباح المحرمات تحت ظل "عملية التوريث" .
فللكرسي أفات , وللتوريث آيات واضحات ، في كل ما يتخذ من سياسات ،نأخذ مصر المحروسة أنموذجا لها ومثالا
آفات وآيات داخلية
تجفيف منابع الديموقراطية في المجتمع :
-العمل على السيطرة المطلقة على البرلمان ومجلس الشورى و المجالس المحلية والنقابات بتزوير الانتخابات ووقف الانتخابات لمجالس الجامعات وعمداء الكليات و إتحادات الطلاب .
- تهميش الأحزاب القائمة وحصارها وترويضها وشرائها ,وافتعال المشاكل داخل بعض الأحزاب ,لشغلها بنفسها ,وصراعاتها الداخلية ,واستعداء بعضها علي بعض لضرب أي إمكانية للتضامن بعضها مع بعض ومع قوى الشارع الفاعلة .
-التوظيف القانوني للجنة الأحزاب والمنتجات القانونية " لترزية " القانون ,
وذلك بحل ألأحزاب المتمردة و بمنع إنشاء أي أحزاب جديدة يمكن أن تستقطب تأييد شعبي ما .
- كبت نشاط الشارع ,ومختلف الفئات والتجمعات في النقابات والجامعات والمصانع ,ومطاردة المظاهرات والوقفات الاحتجاجية بالقمع الأمني الذي تتصاعد حدته بشكل مضطرب.وتجميد الانتخابات وكافة الأنشطة التي لها إسقاطات سياسية.
وضع التشريعات الدستورية والقانونية لتأمين عملية التوريث وقطع دابر أي تهديد قائم أو احتمال بتهديد يبرز علي حين غرة.حتى تعاد صياغة الحياة السياسية في البلاد بما يستبعد أي قدرة للمعارضة تمكنها من التعبير عن طموحات الشعب أو من أن تحلم مجرد حلم بأن يكون هناك تداول للسلطة حقيقي- في مصر- في المستقبل المنظور ,فكان تعديل الدستور هو الوسيلة الأنجع.
إعلاميا :
استعمال سياسة التعتيم الإعلامي وعدم الاكتراث نحو القضايا المحرجة للنظام ,وسياسة الإلهاء وافتعال الضجيج الإعلامي حول قضايا هامشية أو ذات صبغة غير سياسية؛صرفا للأنظار عن أزمات سياسية مطروحة .
تجنيد ميليشيا إعلامية من الأقلام الموالية للسلطة والقنوات التلفزيونية –بذهب المعز ومناصبة ورحلات على الطائرة الرئاسية - وتوجيهها بشكل مكثف في اتجاهات محددة ومخططة دعائيا, للتحريض ضد تكتلات المعارضة الحقيقية ,والتمهيد للصدام معها توطئة لإجتثاثها أمنيًا ,والتعتيم علي ردود فعل ومبادرات المعارضة لغزل وحجب مواقفهم عن الرأي العام .
أمنيا وبطشا :
الاهتمام بالأمن السياسي ( أمن الدولة والنظام) ووضع كل الامكانات والدعم لتضخيم وتقوية هذا الجهاز حتى ولو كان على حساب التقصير والاستهانة بالامن العام ( أمن المواطن من الجرائم والإهمال والأذى المتعمد من الأشخاص والهيئات .
جعل موافقة الأمن ضرورة وشرطا لتعيين أي مواطن في أي وظيفة حكومية ,أو للترقي – وذلك حتى لا يتمكن من له موقف معارض من التسلل لجهاز الحكومة ,ليصبح بعد فترة من الزمن
المزيد