آفة الكرسي … و… آيات التوريث

كتبهاد/الحوت ، في 6 مارس 2007 الساعة: 17:48 م

 

 (آفة الكرسي … و… آيات التوريث )              

                         

    د / محمود الحوت

1

عندما يسعى الإنسان للحصول على كرسي, فانه يدفع فيه بضع عشرات أو مئات من الجنيهات تبعا لفخامة الكرسي ومبلغا آخر لصيانتة والحفاظ على متانته وتماسكه.

- وان كان الكرسي لوظيفة ما فانه يسعى لتحقيق اشتراطاتها من شهادة علمية وخبرة مهنية أو يلجأ للطرق الخلفية من رشا ومحسوبية ووساطة ذلك للحصول على الكرسي أو للاستمرار عليه.

- وان كان الكرسي مقعدا سياسيا -  وزارة أو مؤسسة أو مجالس نيابية ؛فيتطلب الحصول عليه أو الاحتفاظ به , سمعة طيبة وعملا نشطا وأداء حسنا ايجابيا مع المجتمع , والحصول على ثقة الناس أو ثقة من يملك الاختيار.

فان كانت الوسائل الشريفة وعرة وشاقة , أو كان راغب الكرسي أو حائزة من المؤمنين بأن الغاية تبرر الوسيلة أيا ما كانت الوسيلة لتحقيق غايته من كسب لمقعد وللتمسك به,فقد يبيح لنفسه كذب الحديث والوعود - دفع الرشاوى- شراء الذمم والأصوات - التزلف والنفاق لمن بيده عونه ؛ والتخلص من المبادئ ومن دعاتها .حتى يظفر بكرسي أو يستمر عليه .

أما وان كان الكرسي  قيادة أمة وسياسة شعب ,ومسؤولية أولى عن ملايين البشر فالحديث ربما ينحو نحوا آخر .

                    2

فلنتجاوز عن ثمن الحصول على الكرسي ,لنطرح تساؤلا عن( أي ثمن يمكن لشخص أن يدفعه , والمدى الذي يصل إليه , كي يستمر على الكرسي أو يجلس وريثه عليه ؟).

فعلي خريطة وطننا نرى أنظمة جمهورية المظهر ولكن السعي للتوريث سواء بدا للعين ,أو لم يبدو هو جزء من عملية سياسية تخوضها تلك الأنظمة لتأصيل الحكم الوراثي .

فهناك تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والنظام الصدامي السابق في العراق .

فمنذ نجاح نظام حافظ الأسد  بسوريا في تمرير التوريث،وشهية باقي الأنظمة قد انتعشت وازداد الأمل لديها بتكرار النموذج السوري وبدت أمامهم ((خريطة طريق)) ذات معالم واضحة ,وصار الهم الأكبر ,والهدف الأعظم لكثير من تلك الأنظمة , بل ومشروعها الحضاري الوحيد هو تمرير (عمليات التوريث ),تشحذ لها الهمم ؛وتجند لها الإمكانات وتغدق الأموال والمناصب علي جيوش الشغيلة ,لرص( أحجار التوريث)  , حجرًا حجرًا ! ؛ وتوضع السياسات وتتخذ القرارات وتجري التنازلات وتستباح المحرمات تحت ظل "عملية التوريث" .

فللكرسي أفات   , وللتوريث آيات واضحات ، في كل ما يتخذ من سياسات ،نأخذ مصر المحروسة أنموذجا لها ومثالا

آفات وآيات داخلية

تجفيف منابع الديموقراطية في المجتمع : 

-العمل على السيطرة المطلقة على البرلمان ومجلس الشورى و المجالس المحلية والنقابات بتزوير الانتخابات ووقف الانتخابات لمجالس الجامعات وعمداء الكليات و إتحادات الطلاب .

- تهميش الأحزاب القائمة وحصارها وترويضها وشرائها ,وافتعال المشاكل داخل بعض الأحزاب  ,لشغلها بنفسها ,وصراعاتها الداخلية ,واستعداء بعضها علي بعض لضرب أي إمكانية للتضامن بعضها مع بعض ومع قوى الشارع الفاعلة . 

-التوظيف القانوني للجنة الأحزاب والمنتجات القانونية " لترزية " القانون ,

وذلك بحل ألأحزاب المتمردة و بمنع إنشاء أي أحزاب جديدة يمكن أن تستقطب تأييد شعبي ما .

- كبت نشاط الشارع ,ومختلف الفئات والتجمعات في النقابات والجامعات والمصانع ,ومطاردة المظاهرات والوقفات الاحتجاجية بالقمع الأمني الذي تتصاعد حدته بشكل مضطرب.وتجميد الانتخابات وكافة الأنشطة التي لها إسقاطات سياسية. 

وضع التشريعات الدستورية والقانونية لتأمين عملية التوريث وقطع دابر أي تهديد قائم أو احتمال بتهديد يبرز علي حين غرة.حتى تعاد صياغة الحياة السياسية في البلاد بما يستبعد أي قدرة  للمعارضة تمكنها من التعبير  عن  طموحات الشعب أو من أن تحلم مجرد حلم بأن يكون هناك تداول للسلطة حقيقي- في مصر- في المستقبل المنظور ,فكان تعديل الدستور هو الوسيلة الأنجع.

إعلاميا :

استعمال سياسة التعتيم الإعلامي وعدم الاكتراث نحو القضايا المحرجة للنظام ,وسياسة الإلهاء وافتعال الضجيج الإعلامي حول قضايا هامشية أو ذات صبغة غير سياسية؛صرفا للأنظار عن أزمات سياسية مطروحة .

تجنيد ميليشيا إعلامية من الأقلام الموالية للسلطة والقنوات التلفزيونية –بذهب المعز ومناصبة ورحلات على الطائرة الرئاسية - وتوجيهها بشكل مكثف في اتجاهات محددة ومخططة دعائيا, للتحريض ضد تكتلات المعارضة الحقيقية ,والتمهيد للصدام معها توطئة لإجتثاثها أمنيًا ,والتعتيم علي ردود فعل ومبادرات المعارضة لغزل وحجب مواقفهم عن الرأي العام .

أمنيا وبطشا :

الاهتمام بالأمن السياسي ( أمن الدولة والنظام) ووضع كل الامكانات والدعم لتضخيم وتقوية هذا الجهاز حتى ولو كان على حساب التقصير والاستهانة بالامن العام ( أمن المواطن من الجرائم والإهمال والأذى المتعمد من الأشخاص والهيئات .

جعل موافقة الأمن ضرورة وشرطا لتعيين أي مواطن في أي وظيفة حكومية ,أو للترقي – وذلك حتى لا يتمكن من له موقف معارض من التسلل لجهاز الحكومة ,ليصبح بعد فترة من الزمن كل الجهاز الإداري للدولة منتميا للحزب الحاكم أو من مؤيديه .

قصر انتساب الطلاب للكليات الأمنية –كالشرطة-, وكذلك التعيين في سلك القضاء , علي شرائح منتقاة من المجتمع لها مواصفات خاصة ؛ فإما أن يكون الأب أو القريب شريكا في المناصب السلطوية أو يكون ذو ثراء أو نفوذ اقتصادي له مردود ملموس على الحزب الحاكم أو رجال لهم حيثية ، أو يكونون على وفاق وتجاوب مع الدولة وحزبها .

" أممننة " الجامعات ؛ بمعنى تحويل الجامعات إلى إدارة من إدارات وزارة الداخلية يكون القرار فيها لأمن الجامعة سواء أمر طلابي أو يمس الأساتذة أو عمداء الكليات أو شأن نقابي أو اجتماعي ,ثقافي ,رياضي ؛ أي إخضاع الجامعات بالكامل لتعليمات وقرارات الأمن .         

اللجوء للضربات الأمنية المؤلمة إرهابًا وإعاقةً لحركة المعارضة بالاعتقالات وضرب عرض الحائط بأحكام القضاء بتجديد وتمديد أوامر الاعتقال والإحالات للمحاكم العسكرية ومصادرة الأموال وإغلاق الشركات والمؤسسات .

    بيروقراطيا :

جعل منصب نائب الرئيس خاليًا طوال ربع قرن حتى لا يجنح الخيال لمن يعين فيه نحو وراثة الكرسي وقد ثبتت صحة هذا التوجه بما حدث لعبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري (حافظ الأسد) حين انشق علي الأسد الابن –الوريث- بعد أن أقصي في اللحظة الأخيرة . وحتى لا تتمثل المخيلة الشعبية مواصفات الرئيس الوريث في شخص النائب فيسبب احتجابه وبروز الوريث النجل من المجهول خللاً في الذهنية الشعبية قد ينتج عنه افرازات سلبية تضر بعملية التوريث.

وضع حد للطموح السياسي لكل من يكلف بوظيفة حكومية قيادية ,حيث يستقر في يقينه أن سقف طموحه السياسي ينتهي خارج أسوار قصر الرياسة وأن الحلم مجرد الحلم في السعي ذات يوم نحو كرسي الرياسة كفيل بإقصاء ذلك الحالم من الحياة السياسية إلي ظل ظليل ليصبح – في الحياة السياسية – أثرًا بعد عين .   

 بتر وإقصاء أي شخصية عامة مهما كانت كفاءتها ونجاحها إذا بدا عليها بعض البريق الشعبي الذي يحرك ذاكرة الناس نحو زعماء  ذو كاريزما أو محب شعبية في تاريخ الأمة  ,وقد ذكر الأستاذ هيكل بعض الأمثلة التي عوملت تطبيقًا لهذا المنحى مثل ( عمرو موسي – أبو غزالةكمال الجنزوري – وغيرهم نضيف عليهم أيمن نورمنصور حسن الرجل الثاني في السلطة قبيل إغتيال السادات بأسابيع )

جعل المناصب الرفيعة والهامة في أهل الثقة وأهل المال والأعمال وذوي الولاء للحاكم، واستبعاد أهل الكفاءة والولاء للوطن ومصالح الشعب ؛ باستعمال التقارير الأمنية كأهم وسائل الفرز .

آفات وآيات خارجية :

الإيمان قولاً وعملاً ظاهرًا وباطنًا بالقوة الأمريكية العظمي وقدرتها علي أن تضر وتنفع وأن ترفع وتخفض.

وأنها تزيل عن الملك من تشاء وتؤتي بمن تشاء للسلطة ,فعلي قاعدة هذا الإيمان توضع السياسات وتبرمج البرامج وتخطط الإستراتجيات.

تقليص دور مصر القومي والإقليمي والتراجع بها إلي حدودها الجغرافية

التجاوب مع السياسات الأمريكية ,واتخاذ جانبها في كل الصراعات الإقليمية ,بدءًا من حرب العراق ضد إيران ؛ مرورًا بحرب تحرير الكويت من جيش صدام ؛إلي حرب أفغانستان ، وضرب مصنع الأدوية في السودان ,إلي غزو العراق وتقسيمه .

الإستجابة لأي  ضغوط أو توجيهات تحملها إستراتجيات أمريكيا وإسرائيل تجاه قضية فلسطين ومشاكل المنطقة.

تغيير الدور المصري من مناصر للفلسطينيين إلي وسيط محايد-" ليس له من الأمر شيء  " بل و المشاركة في حصار حكومة حماس المنتخبة و الشعب الفلسطيني

المواقف السلبية المفتقدة للصدق والفاعلية , تجاه المذابح الإسرائيلية المتكررة للشعب الفلسطيني المناضل. والتجاوز عما تقوم به إسرائيل من قتل واغتيالات وقصف للمنازل وحصار واعتقالات بل وابادة جماعية للشعب الفلسطيني والاكتفاء بمواقف أو تصريحات هزيلة ذرا للرماد في العيون .

التخاذل عن مناصرة لبنان وحزب الله في حربهم الدفاعية ضد إسرائيل والتبجح بإدانة حزب الله والصمت المطبق عن إدانة إسرائيل أو التنديد بعملياتها العسكرية.

 الإندفاع بحماس شديد في اتجاه معاداة إيران والتطوع لزعامة حلف الاعتدال الأمريكي في المنطقة والموجه أساسًا ضد إيران وحزب الله وحماس وكل الحركات الإسلامية السياسية حتى التي لا تنتهج العنف سبيلاً.

تهميش دور وزارة الخارجية التليدة وإسناد الملفات الأخطر في السياسة الخارجية لبعض موظفي رئاسة الجمهورية ولجهاز المخابرات و كف يد مصر عن تأدية دورها التاريخي الوطني والقومي تجاه ما يحدث في السودان جنوبه وشرقه ,وما حدث في الصومال  , وما حدث و يحدث في العراق ولبنان ,وما يدبر لسوريا ولإيران بليل ونهار.

تهدئة لهجة الخطاب الرسمي المصري تجاه كل الخلافات الناشئة بينه وبين إسرائيل و الإذعان لكل مطالبها الاقتصادية : اتفاقية الكويز ,بيع الغاز الطبيعي لها بأسعار بخسة ,إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي(عزام عزام ). والسياسية : بعدم التوقف كثيرا أمام أنهار الدماء الفلسطينية المراقة على أيدي جندها أو حتى عند دماء الجنود المصريين التي تقتنصهم رصاصات جيشها على الحدود كل حين ، وتحجيم ردود الفعل المصرية تجاه الشروع في هدم المسجد الأقصى والعبث بالمقدسات  لمجرد الاستنكار أو ماهو دون الاحتجاج . وللمطالب الاستراتيجية : بالانكفاء على الأوضاع الداخلية واختزال الأمن القومي إلى أمن الحكام وجعل حدود مصرالجغرافية هي المدى الأبعد للأمن القومي الإستراتيجي .والتخلي عن ترهات الدور المصري القومي والإسلامي واتساع دائرة أمنها –قديما – منذ رمسيس الثاني وحتى أمس الأول لتصل إلى الأناضول وأواسط آسيا ووسط افريقية وشواطئ الأطلسي .  

ذلك قليل من كثير رصدته في المشهد السياسي العربي ، ومن مصر,- قلب الأمة ونبراسها –  هكذا كانت ،وهكذا نحلم أن تعود )، بعضه يشير( لآفات ) قد يتمخض عنها التجمد فوق كراسي الحكم ,وبعضها يبدو ( كآيات بينات) لمخططات التوريث واحتكار الحكمة والحكم .

 

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر